كان خُلقه القرآن.. بقلم /نايف بن ممدوح آل سعود

0

بِسْمِ اْللهِ اْلرَّحْمنِ اْلرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على خيرته من خلقه وخاتم أنبيائه ورسله وسيد ولد آدم أجمعين نبينا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فلقد كان خلق نبي الإسلام محمد بن عبدالله صلوات ربي وسلامه عليه (القرآن) قال تعالى مادحاً وواصفاً خُلق نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم (( وَإِنّكَ لَعَلَىَ خُلُقٍ عَظِيمٍ )) [ القلم 4 ] ولما سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (ألست تقرأ القرآن؟ قال بلى, قالت: فإن خُلق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن) رواه مسلم. قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: ومعنى هذا أنه صلى الله عليه وسلم صار امتثال القرآن أمراً ونهياً سجيةً له وخلقاً …. فمهما أمره القرآن فعله ومهما نهاه عنه تركه، هذا ما جبله الله عليه من الخُلق العظيم من الحياء والكرم والشجاعة والصفح والحلم وكل خُلقٍ جميل.أ.هـ

فقد كان من كريم أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه كان عبداً لله شكوراً ، فإن من تمام كريم الأخلاق هو التأدب مع الله رب العالمين وذلك بأن يعرف العبد حقّ ربه سبحانه وتعالى عليه فيسعى لتأدية ما أوجب الله عز وجل عليه من الفرائض ثم يتمم ذلك بما يسّر الله تعالى له من النوافل ، وكلما بلغ العبد درجةً مرتفعةً عاليةً في العلم والفضل والتقى كلما عرف حق الله تعالى عليه فسارع إلى تأديته والتقرب إليه عز وجل بالنوافل ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رب العالمين في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه إن الله تعالى قالى: (… وما يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه…) رواه البخاري. ومن هذا المنطلق فقد كان صلى الله عليه وسلم يعرف حق ربه عز وجل عليه وهو الذي قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر على الرغم من ذلك كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ ويسجد فيدعو ويسبح ويدعو ويثني على الله تبارك وتعالى ويخشع لله عز وجل حتى يُسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل، فعن عبدالله بن الشخير ـ رضي الله عنه ـ قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزيزٌ كأزيز المرجل من البكاء) رواه أبو داود وصححه الألباني. وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: (أفلا أكون عبداً شكوراً) رواه البخاري.

كان يتمثل القرآن في ذلك كما وصف الله تعالى عباده المؤمنين (( تَتَجَافَىَ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مّآ أُخْفِيَ لَهُم مّن قُرّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * )) [السجدة:16ـ17] وقال تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يقوم ليتـهجد من الليل قال عز وجل : (( وَمِنَ الْلّيْلِ فَتَهَجّدْ بِهِ نَافِلَةً لّكَ عَسَىَ أَن يَبْعَثَكَ رَبّكَ مَقَاماً مّحْمُوداً )) [الإسراء 79 ] وقال سبحانه:

(( يَأَيّهَا الْمُزّمّلُ * قُمِ الْلّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً * نّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً )) [المزمل 1-4].

فبذلك يتبين لك أيها المسلم الكريم والمسلمة الكريمة كيف كان يتمثل رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن وكان خلقه في ذلك القرآن، ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان ذاكراً لله تعالى في جميع أحواله وجميع شأنه، فعن عُبيد بن عُمير ـ رضي الله عنه ـ أنه قال لعائشة ـ رضي الله عنها ـ أخبرينا بأعجب شيء رأيتيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فسكتت ثم قالت: لمّا كانت ليلة من الليالي قال: (يا عائشة ذريني أتعبد الليلة لربي ) ، قالت: والله إني أحب قربك وأحب ما يسرك، قالت: فقام فتطهر ثم قام يصلي، قالت: فلم يزل يبكي حتى بلّ حِجره، قالت: وكان جالساً فلم يزل يبكي حتى بلّ لحيته، قالت: ثم بكى حتى بلّ الأرض، وجاء بلالٌ يؤذنه بالصلاة فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله! تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ( أفلا أكون عبداً شكوراً ؟ لقد أُنزلت عليّ الليلة آية ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر فيها ) (( إِنّ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ الْلّيْلِ وَالنّهَارِ لاَيَاتٍ لاُوْلِي الألْبَابِ * الّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكّرُونَ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النّارِ * رَبّنَآ إِنّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رّبّنَآ إِنّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبّكُمْ فَآمَنّا رَبّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفّرْ عَنّا سَيّئَاتِنَا وَتَوَفّنَا مَعَ الأبْرَارِ * )) [ آل عمران 190-193 ] رواه ابن حبان وحسنه الألباني.

وكان مـن تـمثله صلى الله عليه وسلم للقـرآن أنه يذكر الله تعالى كثيراً، قال عز وجل : (( …. وَالذّاكِـرِينَ اللّهَ كَثِيراً وَالذّاكِرَاتِ أَعَدّ اللّهُ لَهُـم مّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيـماً )) [ الأحزاب 35 ] وقال تعالى : (( … فَاذْكُرُونِيَ أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ )) [البقرة 152 ].

ومن تخلقه صلى الله عليه وسلم بأخلاق القرآن وآدابه تنفيذاً لأمر ربه عز وجل أنه كان يحب ذكر الله ويأمر به ويحث عليه، قال صلى الله عليه وسلم : (لأن أقول سبحانه الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس) رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم : (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره ، مثل الحي والميت) رواه البخاري وقال صلى الله عليه وسلم : (ما عمل ابن آدم عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله) أخرجه الطبراني بسندٍ حسن ، واحتجّ به العلامة ابن باز رحمه الله في تحفة الأخيار فانظر رحمك الله كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يشكر ربه ويذكره على كل حال قائماً وقاعداً حتى إنه صلى الله عليه وسلم كما قالت عائشة : ( كان رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجر إحدانا وهي حائض وهو يتلو القرآن). رواه النسائي وحسنه الألباني. وما ذلك إلا امتثالاً لأمر ربه عز وجل وتعظيماً له وشكراً له سبحانه وبحمده على ما وهبه وامتنّ عليه من نعم ، فحريٌّ بنا أن نقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي قال الله تعالى عنه: (( إِنّ الّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النّبِيّينَ بِغَيْرِ حَقّ وَيَقْتُلُونَ الّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * أُولَـَئِكَ الّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مّن نّاصِرِينَ * )) [آل عمرن 21-22 ] وقال عز وجل: ((… وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ … )) [النور:54] ومن ذلك ما أمر الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستغفر ربه فقال عز وجل: (( … فَاعْلَمْ أَنّهُ لاَ إِلَـَهَ إِلا اللّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ…. )) [محمد:19] وقال عز وجل: (( فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنّهُ كَانَ تَوّابَا )) [النصر 3 ] وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتثل أمر الله تعالى في ذلك متخلقاً بآداب القرآن، فقد صحّ عن الأغر بن يسار المزني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يا يها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب في اليوم مئة مرة) رواه مسلم. وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مئة مرة (ربّ اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم) رواه أبو داود والترمذي وصححه. وحثّ النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة على التوبة والاستغفار وتعاهد ذلك فقال: (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقومٍ يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم) رواه مسلم ، وقال صلى الله عليه وسلم : (إن صاحب الشمال ليرفع القلم ست ساعاتٍ على العبد ، المسلم المخطئ المسيء فإن ندم واستغفر منها ألقاها وإلا كتب واحدة) رواه الطبراني في الكبير وحسنه الألباني, وقال صلى الله عليه وسلم مرغباً في الاستغفار والتوبة إلى الله الغفار: (سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. قال: ومن قالها من النهار موقناً بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقنٌ بها، فمات قبل أن يُصبح فهو من أهل الجنة) رواه البخاري. فعلى المؤمن والمؤمنة التوبة والاستغفار واللجوء إلى الله تعالى والضراعة إليه وطاعته في جميع الأمور وحسن الظنّ به عز وجل مع الإخبات والتوبة والندم وعدم اليأس والقنوت من رحمة الله ، قال تعالى: (( قُلْ يَعِبَادِيَ الّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رّحْمَةِ اللّهِ إِنّ اللّهَ يَغْفِرُ الذّنُوبَ جَمِيعاً إِنّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرّحِيمُ * وَأَنِـيبُوَاْ إِلَىَ رَبّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمّ لاَ تُنصَرُونَ * وَاتّبِعُـوَاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رّبّكُـمْ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ )) [ الزمر 53- 55 ] ، وفي الدعاء كان لرسول الله صلى الله عليه وسلممعه شأنٌ عظيم وكان يتمثل أمر ربه عز وجل في كتابه العزيز بأن يدعو الله تعالى، قال عز وجل: (( قُلْ إِنّمَآ أَدْعُو رَبّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً )) [ الجن20 ] ، (( وَقَالَ رَبّكُـمْ ادْعُونِيَ أَسْتَجِبْ لَكُمْ….)) [غافر:60] وكانصلى الله عليه وسلم يلجأ إلى الله تعالى ويتضرع إليه في كل حال موحداً في ذلك لله تعالى رب العالمين مؤمناً به غير مشرك لا يدعو مع الله تعالى أحدا ، إذ دعاءُ غير الله شركٌ وكفر ، قال تعالى (( وَمَن يَدْعُ مَعَ اللّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبّهِ إِنّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * وَقُل رّبّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأنتَ خَيْرُ الرّاحِمِين )) [المؤمنون 117- 118] فكان صلى الله عليه وسلم من هديه الكريم أن يكون دائم الدعاء لله عز وجل في جميع شأنه وجميع أمره في داخل صلاته وخارجها، في خروجه من منزله ودخوله، في نزعه لثوبه ولبسه إياه، وقبل البدء بالطعام وعند الانتهاء منه، قبل دخوله للخلاء وبعد الخروج منه، وهكذا في جميع شأنه وحاله ذاكراً لله تعالى داعياً له معلقاً أمله ورجاءه به متوكلاً عليه عز وجل، ومن تطبيق ذلك في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وأعماله أنه يقول: (ليس شيء أكرم على الله سبحانه من الدعاء) رواه ابن ماجه وحسنه الألباني، وقال صلى الله عليه وسلم : (سلوا الله العفو والعافية فإن أحداً لم يُعط بعد اليقين خير من العافية) رواه الترمذي وصححه الألباني.

وكان من أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: (اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) متفق عليه ، وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنه كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته: (اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل) رواه النسائي وصححه الألباني ، وكان من كريم أخلاقه صلى الله عليه وسلم في تعامله مع أهله وزوجه أنه كان يُحسن إليهم ويرأف بهم ويتلطّف إليهم ويتودّد إليهم ، فكان يمازح أهله ويلاطفهم ويداعبهم ، وكان من شأنه صلى الله عليه وسلم أن يرقّق اسم عائشة ـ رضي الله عنها ـ كأن يقول لها: (يا عائش )، ويقول لها: (يا حميراء) ويُكرمها بأن يناديها باسم أبيها بأن يقول لها: (يا ابنة الصديق) وما ذلك إلا تودداً وتقرباً وتلطفاً إليها واحتراماً وتقديراً لأهلها وهذا حقيقةً ما ينبغي أن يفعله المؤمن أن يُحسن إلى أهله ويُكرم أهلها ويقدرهم ويوقرهم لا أن يهينهم ويسمعهم ما لا يحسن أن يُستمع إليه ، ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يعين أهله ويساعدهم في أمورهم ويكون في حاجتهم ، وكان صلى الله عليه وسلم يسابق عائشة ـ رضي الله عنها ـ فتسبقه ، ولما حملت اللحم سبقها صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأُمي ، وقالت عائشة رضي الله عنها: (كان رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجر إحدانا وهي حائض وهو يتلو القرآن) رواه النسائي وحسنه الألباني. وقالت رضي الله عنها: (كنت أُرَجِّل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حائض) رواه النسائي وصححه الألباني. وكانت عائشة تغتسل معه صلى الله عليه وسلم من إناءٍ واحد، فيقول لها: (دعي لي) ، وتقول له : دع لي . رواه مسلم . وكان يعدل بين نسائه صلى الله عليه وسلم ويتحمل ما قد يقع من بعضهن من غيرة كما كانت عائشة ـ رضي الله عنها ـ غيورة ، فعن أم سلمة ـ رضي الله عنها أنها ـ أتت بطعامٍ في صحفةٍ لها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فجاءت عائشة… ومعها فِهرٌ ففلقت به الصحفة، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين فلقتي الصحفة وهو يقول: (كلوا، غارت أُمكم ـ مرتين ـ ) ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم صحفة عائشة فبعث بها إلى أُم سلمة وأعطى صحفة أُم سلمة عائشة. رواه النسائي وصححه الألباني، وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يمازح العجوز، فقد سألته امرأة عجوز قالت: يا رسول الله! ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا أُم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز، فولت تبكي، فقال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: (( إِنّآ أَنشَأْنَاهُنّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً7)) [ الواقعة 35 – 37 ] رواه الترمذي في الشمائل وحسنه الألباني . وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يُحسن إلى الصبية ويمازحهم بكلام لطيف ، فعن أنس رضي الله عنه قال: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخالطنا حتى يقول لأخٍ لي صغير: (يا أبا عُمير ما فعل النُغير) رواه البخاري ومسلم. وكان صلى الله عليه وسلم يتمثل قول الله عز وجل : (( وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَىَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىَ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً )) [ النساء 36 ] فقد أوصى صلى الله عليه وسلم باليتيم وحثّ ورغب في كفالته فقال: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين) وأشار بالسبابة والوسطى وفرّق بينهما شيئاً. رواه البخاري، وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله ـ وأحسبه قال ـ وكالقائم الذي لا يفتر وكالصائم الذي لا يفطر) متفق عليه, وقال صلى الله عليه وسلم : (من ضم يتيماً له أو لغيره حتى يغنيه الله عنه وجبت له الجنة) رواه الطبراني في الأوسط وصححه الألباني، وكان صلى الله عليه وسلم لا يستأنف من أن يمشي مع أخيه المسلم في حاجته ، وفي تواضعه كان صلى الله عليه وسلم سيد المتواضعين ، يتخلق ويتمثل بقوله تعالى: (( تِلْكَ الدّارُ الاَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ )) [ القصص 83 ] فكان أبعد الناس عن الكبر ، كيف لا وهو الذي يقول صلى الله عليه وسلم : (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبدٌ فقولوا عبد الله ورسوله) رواه البخاري. كيف لا وهو الذي كان يقول صلى الله عليه وسلم : (آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد) رواه أبو يعلى وحسنه الألباني. كيف لا وهو القائل بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم : (لو أُهدي إليَّ كراعٌ لقبلتُ ولو دُعيت عليه لأجبت) رواه الترمذي وصححه الألباني. كيف لا وهو الذي كان صلى الله عليه وسلم يحذر من الكبر أيما تحذير فقال: (لا يدخل في الجنة من كان في قلبه مثقال ذرةٍ من كبر) رواه مسلم ، وقال صلى الله عليه وسلم : (احتجت النار والجنة فقالت هذه يدخلها الجبارون والمتكبرون ، وقالت هذه يدخلها الضعفاء والمساكين ، فقال الله عز وجل لهذه: أنت عذابي أعذب بك من أشاء ، وقال لهذه: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء ، ولكل واحد منكما ملأها) رواه مسلم، وكان من تواضعه صلى الله عليه وسلم أنه كان يخصف نعله ويحلب شاته ويعين أهله، وكان يركب الحمار ويُردف عليه وهذا من تواضعه أيضاً صلى الله عليه وسلم .

من هديه صلى الله عليه وسلم في تخلقه بالزهد في الدنيا: وكان من زهده صلى الله عليه وسلم في تركه للدنيا وزينتها الفانية ، كان لا يرد ما جاءه منها دون مبالغةٍ فيها فكان يلبس الثياب ويأكل الطعام ويحب الطيب ولكن كان لا يبالغ في الدنيا ، فقد كان سيد الزاهدين صلى الله عليه وسلم ومن ذلك لما دخل عليه عمر ـ رضي الله عنه ـ وكان صلى الله عليه وسلم ينام على الحصير وقد أثر الحصير في جنبه الشريف فبكى عمر، فقال: (ما يبكيك؟) فقلت: يا رسول الله! إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله، فقال: (أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة) رواه البخاري. ولم يكن صلى الله عليه وسلم جمّاعاً للمال منّاعاً له ، فعن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ويلٌ للمكثرين إلا من قال بالمال هكذا، وهكذا، وهكذا، وهكذا، أربعٌ: عن يمينه وعن شماله ومن قدامه ومن ورائه) رواه ابن ماجه وحسنه الألباني. وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حَرَّة المدينة فاستقبلنا أُحد فقال: (يا أبا ذر) قلت: لبيك يا رسول الله، قال: (ما يسرني أن عندي مثل أُحدٍ هذا ذهباً تمضي عليَّ ثالثةٌ وعندي منه دينارٌ، إلا شيئاً أرصده لدَين، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا)، عن يمينه وعن شماله ومن خلفه. رواه البخاري. وكان من زهده صلى الله عليه وسلم وقلة ما بيده أن النار لا توقد في بيته في الثلاثة أهلة في شهرين ، عن عروة رضي الله عنه قال: عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها كانت تقول: والله يا ابن أختي كنا لننظر إلى الهلال ثم الهـلال ثـلاثة أهله في شهرين ما أوقـد في أبيـات رسـول الله صلى الله عليه وسلم نار، قلت: يا خالة فما كان عيشكم؟ قالت: الأسودان ـ التمر والماء ـ) متفق عليه. وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي المتتابعة طاوياً وأهله لا يجدون عشاءاً، وكان أكثر خبزهم الشعير) رواه الترمذي وابن ماجه وحسنه الألباني.

وعلى الرغم من ذلك فقد كان أجود الناس وأكرم الناس وكان أجود ما يكون في رمضان ، فقد كان كالريح المرسلة بأبي هو وأمي ، وكان من كرمه صلى الله عليه وسلم أنه جاءه رجل يطلب البردة التي هي عليه فأعطاه إياها صلى الله عليه وسلم ، وجاءه رجل وسأله وادٍ من الغنم فأعطاه، كما جاء في صحيح مسلمٍ عن أنسٍ رضي الله عنه قال: أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم غنماً بين جبلين فأعطاه إياه فأتى قومه فقال: أي قوم أسلموا، فوالله إن محمداً يُعطي عطاءً ما يخاف الفقر) رواه مسلم. وكان صلى الله عليه وسلم يتمثل في ذلك القرآن ، قال تعالى: (( آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمّا جَعَلَكُم مّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ)) [ الحديد 7 ] وقال عز وجل: (( … وَمَا تُقَدّمُواْ لأنفُسِكُمْ مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً ….)) [المزمل:20] وكان صلى الله عليه وسلم يتمثل القرآن ، فمثلاً في الشفاعة في قوله تعالى: (( مّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لّهُ نَصِيبٌ مّنْهَا …. )) [النساء:85] فقد كان يقول صلى الله عليه وسلم : (اشفعوا تؤجروا) وكان يطبق ذلك ويتخلق به صلى الله عليه وسلم ، من ذلك حديث شفاعته لمغيث عند زوجه بريرة عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن بريرة ـ رضي الله عنها ـ لمّا عُتقت وخيرها النبي صلى الله عليه وسلم في فراق زوجها مغيث، اختارت فراقه فجعل مغيث يبكي من حبه إياها حتى رقّ له النبي صلى الله عليه وسلم وقال لبريرة: (لو راجعته) فقالت: أتأمرني؟ فقال صلى الله عليه وسلم : (إنما أنا شافعٌ) فقالت: فلا حاجة لي فيه. رواه البخاري. وكان صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا حسناً يتـخلق بأخـلاق القرآن وذلك في قوله تعالى: (( … وَأَحْسِنُوَاْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ )) [ البقرة 195 ] بل وأمر بالإحسان في الأمر كله ، ومن ذلك حديث: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليُرح ذبيحته) رواه مسلم. ومن رحمته صلى الله عليه وسلم وإحسانه إلى الخلق أن تعدى ذلك البشر حتى عمّ البهائم ، فقد رأى صلى الله عليه وسلم جملاً كان صاحبه يجيعه فقال: (من ربّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ فجاء فتىً من الأنصار فقال: لي يا رسول الله، فقال: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكى إليَّ أنك تجيعه…) رواه أبو داود والحاكم. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن وسم الحمار في وجهه لأن ذلك فيه من التعذيب ، فعن أنس رضي الله عنه قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم حماراً موسوماً في وجهه، فقال: ( لعن الله من فعل هذا) رواه البزار وصححه الألباني. وكان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً وأطيبهم معاملةً ومعشراً ، كيف لا وقد قال الله عنه: (( وَإِنّكَ لَعَلَىَ خُلُقٍ عَظِيمٍ )) [ القلم 4 ] ، وقد انتهج النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في دعوته ولطيف أسلوبه للناس كلهم حتى شملت الكافرين ، فكان من سبب ذلك أن أسلم ودخل في دين الله تعالى أفواجٌ من الناس بالمعاملة الحسنة والأسلوب الأمثل ، كان يتمثل في ذلك صلى الله عليه وسلم قول الله عز وجل: (( ادْعُ إِلِىَ سَبِيــلِ رَبّــكَ بِالْحِكْـمَةِ وَالْمَـوْعِظَـةِ الْحَسَنَـةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ … )) [ النحل 125 ] ، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أُسيء إليه يدفع بالتي هي أحسن يتمثل ويتخلق بقوله تعالى: ((… ادْفَعْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنّهُ وَلِيّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقّاهَا إِلاّ الّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقّاهَآ إِلاّ ذُو حَظّ عَظِيم )) [ فصلت 34-35 ] وكان صلى الله عليه وسلم يتمثل القرآن في عدم الخوض مع الخائضين ، وكان يتمثل القرآن في معاملته مع الناس وذلك في قوله تعالى (( وَعِبَادُ الرّحْمَـَنِ الّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىَ الأرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً )) [ الفرقان 63 ] وأتاه ذات مرة حبرٌ من أحبار اليهود وهو زيد بن سعنة يطلبه دَيناً له عليه فأخذ بمجامع قميصه وردائه وجذبه وأغلظ له القول، ونظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم بوجهٍ غليظ وقال: يا محمد ألا تقضيني حقي ، إنكم يا بني عبدالمطلب قومٌ مطل، وشدد له في القول، فنظر إليه عمر وعيناه تدوران في رأسه كالفلك المستدير, ثم قال: يا عدو الله، أتقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع ، وتفعل ما أرى، فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر لومه لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر في سكون وتُؤَدَةٍ وتَبَسُّمٍ، ثم قال: (أنا وهو يا عمر كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التقاضي، اذهب به يا عمر فاقضه حقه، وزده عشرين صاعاً من تمرٍ) رواه الطبراني، وقال الحافظ بن حجر في الإصابة: ورجال إسناده موثوقون. فكان هذا سبباً لإسلامه، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ومن ذلك شفقته بمن يخطئ أو من يخالف الحق وكان يُحسن إليه ويعلمه بأحسن أسلوب ، بألطف عبارة وأحسن إشارة ، من ذلك لما جاءه الفتى يستأذنه في الزنى، فعن أبي أُمامة ـ رضي الله عنه ـ قال: إن فتىً شاباً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه فقال له: (ادنه)، فدنا منه قريباً، قال: (أتحبّه لأمّك؟) قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: (ولا الناس يحبونه لأمهاتهم) قال: (أفتحبه لابنتك؟) قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك. قال: (ولا الناس جميعاً يحبونه لبناتهم) قال: (أفتحبه لأختك؟) قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: (ولا الناس جميعاً يحبونه لأخواتهم). قال: (أفتحبه لعمتك؟) قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: (ولا الناس جميعاً يحبونه لعماتهم). قال: (أفتحبه لخالتك؟) قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: (ولا الناس جميعاً يحبونه لخالاتهم) قال: فوضع يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصّن فرجه) فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء. رواه أحمد. ومن ذلك حديث الرجل الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد، فعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي ، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : مَه مَه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تزرموه، دعوه) ، فتركوه حتى بال ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ، ولا القذر، إنما هي لذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن) قال: فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فشنّه عليه. رواه مسلم

وكان صلى الله عليه وسلم يعفوا عَمَّن ظلمه: ومن ذلك قصة المرأة اليهودية التي أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاةٍ مسمومة ، فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألها عن ذلك فقالت: أردت لأقتلك، فقال: (ما كان الله ليسلطك على ذلك) فقالوا: ألا نقتلها؟ قال: (لا….) رواه البخاري ومسلم وأبو داود. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتثل أوامر ربه تبارك وتعالى في القرآن ويتخلَّق بها وبآداب كتاب الله تعالى والشرع المطهر ، ومن ذلك عدله صلى الله عليه وسلم وإقامته شرع الله تعالى ولو على أقرب الأقربين ، قال تعالى: (( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءِ للّهِ وَلَوْ عَلَىَ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ ….)) [النساء:135] أخرج الطبراني في معجمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (عدّل صفوف أصحابه يوم بدر وفي يده قدحٌ يعدل به القوم فمر بسواد بن غزية حليف بني عدي بن النجار وهو مستنتل من الصف فطعن في بطنه بالقدح وقال: (استو يا سواد) فقال: يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني ، فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه فقال: (استقد) قال : فاعتنقه فقبل بطنه فقال صلى الله عليه وسلم : (ما حملك على هذا يا سواد؟) قال: يا رسول الله! حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك ، فدعى له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير) رواه الطبراني في المعجم وحسنه الألباني في الصحيحة، والقدح : هو السهم. ومستنتل: أي متقدم. وحضر ما ترى: أي المعركة .

فانظر رحمك الله كيف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أجاب الرجل لما دعاه أن يقتص منه وطلب ذلك ولم يتردد فيه بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم ، ومن صور عدله صلى الله عليه وسلم قوله صلى الله عليه وسلم لما جاءه أسامة ـ رضي الله عنه ـ يشفع في أمر المرأة المخزومية التي سرقت ، فكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: (أتشفع في حدٍ من حدود الله؟) ثم قام فخطب فقال: (يا أيها الناس إنما ضلّ من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمدٍ سرقت لقطع محمدٌ صلى الله عليه وسلم يدها) رواه البخاري ومسلم. ومن صور عدله صلى الله عليه وسلم عن بُشير بن يسار: زعم أن رجلاً من الأنصار يقال له سهل بن أبي حثمة أخبره: أن نفراً من قومه انطلقوا إلى خيبر فتفرّقوا فيها ووجدوا أحدهم قتيلاً، وقالوا للذي وُجِد فيهم: قد قتلتم صاحبنا، قالوا: ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً، فانطلقوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله انطلقنا إلى خيبر، فوجدنا أحدنا قتيلاً، فقال: (الكُبَر الكُبَر). فقال لهم: (تأتون بالبيّنة على من قتله) قالوا: ما لنا بيّنةٌ، قال: (فيحلفون). قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُبْطِل دمه ، فوداه مئة من إبل الصدقة. رواه البخاري. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يظلم اليهود ولكن دفع ديته إلى أخيه من مال الصدقة ، ولم يحملها اليهود رغم أنهم كفار وأعداء لدين الله وأعداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد آذوه فلم يحمله كفرهم على أن ينتقم منهم دون بينةٍ وتثبت بل كان وقّافاً عند حدود الله تعالى متثبتاً متبيناً فيما يحكم به صلى الله عليه وسلم لا يظلم أحداً ولو كان ذاك من الكفار ولا يظلم صلى الله عليه وسلم أحداً أبداً ، وصدق الله تعالى إذ يقول: ((…. وَلاَ يَجْرِمَنّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىَ أَلاّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتّقْوَىَ … )) [المائدة:8] قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: أي لا يحملنَّكم بُغض قومٍ على ترك العدل فيهم، بل يستعمل العدل في كل أحد صديقاً كان أو عدواً.أ.هـ ومن كريم خلقه صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو لإخوانه المؤمنين جميعاً وخاصةً أنبياء الله تعالى يتمثل في ذلك قول الله عز وجل : (( وَالّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاّ لّلّذِينَ آمَنُواْ رَبّنَآ إِنّكَ رَءُوفٌ رّحِيمٌ )) [ الحشر 10 ] فمن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : (..رحمة الله علينا وعلى موسى، لوددت أنه كان صبر حتى يقصَّ علينا من أخبارهما) رواه البخاري ومسلم. (يعني في قصة موسى والخضر ـ عليهما السلام ـ) وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (.. ويرحم الله لوطاً، لقد كان يأوي إلى ركنٍ شديد….) وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : (يرحم الله أُم إسماعيل لو تركت زمزم ـ أو قال: لو لم تغرف من الماء ـ لكانت عيناً معيناً) رواه البخاري. وفي ذلك أكمل الهدي وأفضله وخيره في الدعاء لإخوانه الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ بل قد رغب صلى الله عليه وسلم في أن يدعو المسلم لإخوانه المسلمين بالمغفرة فقال صلى الله عليه وسلم : (من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمنٍ ومؤمنة حسنة) رواه الطبراني وحسنه الألباني، فما أجمل أن يدعو الإنسان بالمغفرة له ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ، قال الله تعالى في ذكره لدعاء نوحٍ عليه السلام (( رّبّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ … )) [ نوح:28 ] وهنا مسألةٌ لطيفة ، انظروا إخوتي الكرام كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو لمن سبقه من الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ ولا يجد في ذلك حرجاً أو شيئاً في نفسه ، وهذا خلقٌ نبويٌّ كريم ما أحوجنا إليه خاصةً بين الأقران ، فإنك للأسف تجد في بعض الأحيان أن بعض الأقران لا يكاد يدعو لإخوانه بل لا يكاد يذكرهم بخير وذلك لما امتلأت بعض النفوس بشيء من حظوظ النفس حسداً وحقداً، نسأل الله السلامة والعافية، (( إِنَّ اْلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِاْلسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي )) [ يوسف 53 ] الدعاء لإخوانك المؤمنين هو من أكبر الدلائل إلى صفاء النفوس ودوام المودة والمحبة في الله التي تنال ثمراتها في الآخرة ، بل قد بشر النبي صلى الله عليه وسلم المتحابين بأنهم يكونون يوم القيامة مستظلين في ظل الله عز وجل يوم لا ظل إلا ظله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أُظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم : (قال الله عز وجل المتحابون في جلالي لهم منابرٌ من نورٍ يغبطهم النبيون والشهداء ) قال الترمذي حسنٌ صحيح وصححه الألباني.

هكذا كان خلقه صلى الله عليه وسلم كان خلقه القرآن فكان يتمثل الآيات التي ترغب في الإحسان وطيب النفس والقول الحسن والفعل الحسن والفعل الجميل ، فقد نال صلى الله عليه وسلم بذلك أعلى المراتب وكان بحق سيد ولد آدم خلقاً ومعاملةً وأخذاً ورداً ، فكان حسنٌ في كل أفعاله وكل ما يأتي ويذر بأبي هو وأمي فصلوات الله وسلامه عليه ، والواجب على المسلمين أن يتبعوه ويتأسوا به ويقتدوا به وصدق الله تعالى إذ يقول: (( لّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُــولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُـو اللّهَ وَالْيَــوْمَ الاَخِرَ وَذَكَرَ اللّهَ كَثِـيراً )) [ الأحزاب 21 ].

ومن صفاته صلى الله عليه وسلم حسن الخُلق والرحمة بالناس: فكما أنه صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم أجمعين فكذلك هو سيد المتخلقين بالأخلاق الكريمة الحسنة وكان صلى الله عليه وسلم يتمثل في حسن خلقه ورحمته بالخلق، قال الله عز وجل: (( وَإِنّكَ لَعَلَىَ خُلُقٍ عَظِيمٍ )) [ القلم 4 ] وقال عز وجل: (( فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ …. )) [ آل عمران 159 ] وقال عز وجل : (( … يُحِبّهُمْ وَيُحِبّونَهُ أَذِلّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ …. )) [ المائدة 54 ] فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل بذلك ويحث على حسن الخلق فقال: (إن من خياركم أحاسنكم أخلاقاً) رواه مسلم، وقال: ( ما شيءٌ أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلقٍ حسن، وإن الله ليبغض الفاحش البذيء) رواه الترمذي وصححه الألباني ، وقال: (إن المؤمن يدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم) رواه أبو داود وصححه الألباني . وقال: (إن أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً الموطأون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون) رواه الطبراني وصححه الألباني، قال ابن الأثير في النهاية في معنى الموطأون أكنافاً: ( وحقيقته من التوطئة وهي من التمهيد والتذليل، وفراش وطئ لا يؤذي جنب النائم ، والأكناف: الجوانب، أراد الذين جوانبهم وطيئة، يتمكن فيها من يصاحبه ولا يتأذى) أ.هـ يلحق في فصل: الرحمة بضعفاء المسلمين ، قال صلى الله عليه وسلم : (هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم) رواه البخاري، وقال صلى الله عليه وسلم في فضل الرحمة: (الراحمون يرحمهم الرحمن ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه الترمذي وصححه الألباني ، وقال صلى الله عليه وسلم في أهل الجنة الذين أخبر عنهم بقوله: ( أهل الجنة ثلاثة وذكر منهم ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم ) رواه مسلم.

أسأل الله تعالى أن يجعلني وجميع إخوتي المسلمين من المتحابين بجلال الله تعالى الذين يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، ويصفي قلوبنا وجميع المسلمين من الأضغان والأحقاد وحظوظ الدنيا والنفس وأن يعصمنا بفضله من كل فتنةٍ وبلاءٍ وشر وفرقةٍ وتمزقٍ وشتاتٍ ، وأن يجمع قلوب المسلمين على طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم مقتدين ومهتدين بهدي الكتاب والسنة وسلف الأمة الصالحين ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ وأن يوفق ولاة أمور المسلمين في كل مكان بالعمل بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وتحكيم شريعته حباً وإقبالاً بالقلوب والأعمال وأن يصلح شأن المسلمين في كل مكان . والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

كتبه الفقير إلى عفو ربه

نايف بن ممدوح بن عبد العزيز آل سعود

شارك.

عن الكاتب

اترك ردًا