شرح ثلاثة الأصول : الأصل الثالث : معرفة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم (19)

0

فلما استقر بالمدينة أمر ببقية شرائع الإسلام مثل: الزكاة، والصوم، والحج، والجهاد والآذان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من شرائع الإسلام (1)

————————————————–

(1) يقول المؤلف رحمه الله تعالى: لما استقر أي النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة النبوية أمر ببقية شرائع الإسلام وذلك أنه في مكة دعا إلى التوحيد نحو عشر سنين، ثم بعد ذلك فرضت عليه الصلوات الخمس في مكة، ثم هاجر إلى المدينة ولم تفرض عليه الزكاة ولا الصيام ولا الحج ولا غيرها من شعائر الإسلام وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن الزكاة فرضت أصلاً وتفصيلاً في المدينة، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الزكاة فرضت أولاً في مكة لكنها لم تقدر أنصابها ولم يقدر الواجب فيها وفي المدينة قدرت الأنصباء وقدر الواجب واستدل هؤلاء بأنه جاءت آيات توجب الزكاة في سورة مكية مثل قوله تعالى في سورة الأنعام: ( وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ )(الأنعام:الآية141) ومثل قوله تعالى : (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (المعارج:24- 25) . وعلى كل حال فاستقرار الزكاة وتقدير أنصابها وما يجب فيها وبيان مستحقيها كان في المدينة، وكذلك الأذان والجمعة، والظاهر أن الجماعة كذلك لم تفرض إلا في المدينة لأن الأذان الذي فيه الدعوة للجماعة فرض في السنة الثانية، فأما الزكاة والصيام فقد فرضا في السنة الثانية من الهجرة، وأما الحج فلم يفرض إلا في السنة التاسعة على القول الراجح من أقوال أهل العلم وذلك حين كانت مكة بلد إسلام بعد فتحها في السنة الثامنة من الهجرة، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن

أخذ على هذا عشر سنين وبعدها توفي صلوات الله وسلامه عليه(1)

————————————————-

المنكر وغيرهما من الشعائر الظاهرة كلها فرضت في المدينة بعد استقرار النبي صلى الله عليه وسلم فيها وإقامة الدولة الإسلامية فيها.

(1) أخذ أي النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين بعد هجرته فلما أكمل الله به الدين وأتم به النعمة على المؤمنين اختاره الله لجواره واللحاق بالرفيق الأعلى من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فابتدأ به المرض صلوات الله وسلامه عليه في آخر شهر صفر وأول شهر ربيع الأول، فخرج إلى الناس عاصباً رأسه فصعد المنبر فتشهد وكان أول ما تكلم به بعد ذلك أن استغفر للشهداء الذين قتلوا في أحد ثم قال: “إن عبداً من عباد الله خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله ” ففهمها أبو بكر رضي الله عنه فبكى وقال: بأبي وأمي نفديك بآبائنا وأمهاتنا، وأبنائنا، وأنفسنا، وأموالنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم “على رسلك يا أبا بكر” ثم قال: “إن أمنّ الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ولكنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر ولكن خلة الإسلام ومودته”(66) وأمر أبا بكر أن يصلي بالناس ولما كان يوم الاثنين الثاني عشر أو الثالث عشر من شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشر من الهجرة اختاره الله لجواره فلما نزل به جعل يدخل يده في ماء عنده ويمسح وجهه ويقوله: “لا إله إلا الله إن للموت سكرات” ثم شخص بصره نحو السماء وقال : “اللهم في الرفيق الأعلى”(67). فتوفي ذلك اليوم فاضطرب الناس لذلك وحق لهم أن يضطربوا ، حتى جاء أبو بكر رضي الله عنه فصعد المنبر فحمد الله واثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ثم قرأ: )وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) (آل عمران: من الآية144) ، )إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) (الزمر:30) فاشتد بكاء الناس وعرفوا أنه قد مات فغسل صلوات الله وسلامه عليه في ثيابه تكريماً له، ثم كفن بثلاث أثواب أي لفائف بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة، وصلى الناس عليه إرسالاً بدون إمام، ثم دفن ليلة الأربعاء بعد أن تمت مبايعة الخليفة من بعده فعليه من ربه أفضل الصلاة وأتم التسلم.

ودينه باق، وهذا دينه، لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها منه، والخير الذي دل عليه: التوحيد، وجميع ما يحبه الله ويرضاه، والشر الذي حذر منه: الشرك وجميع ما يكرهه الله ويأباه. بعثه الله إلى الناس كافة (1)، وافترض الله طاعته على جميع الثقلين: الجن والأنس، والدليل قوله تعالى: )قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ) (2) {سورة الأعراف، الآية: 158}.

————————————————–

(1) بعثه الله أي أرسله إلى الناس كافة أي جميعاً.

(2) في هذه الآية دليل على أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس جميعاً وأن الذي أرسله له ملك السموات والأرض ، ومن بيده الإحياء والإماتة، وأنه سبحانه هو المتوحد بالألوهية كما هو متوحد في الربوبية ، ثم أمر سبحانه وتعالى في آخر الآية أن نؤمن بهذا الرسول النبي الأمي وأن نتبعه وأن ذلك سبب للهداية العلمية والعملية، هداية الإرشاد، وهداية

وأكمل الله به الدين ، والدليل قوله تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً ) (1){سورة المائدة، الآية: 5}.

————————————————–

التوفيق فهو عليه الصلاة والسلام رسول إلى جميع الثقلين وهم الإنس والجن وسموا بذلك لكثرة عددهم.

(1) أي أن دينه عليه الصلاة والسلام باق إلى يوم القيامة فما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وقد بين للأمة جميع ما تحتاجه في جميع شئونها حتى قال أبو ذر رضي الله عنه: “ما ترك النبي صلى الله عليه وسلم طائراً يقلب جناحية في السماء إلا ذكر لنا منه علماً”(68) وقال رجل من المشركين لسلمان الفارسي رضي الله عنه علمكم نبيكم حتى الخراة آداب قضاء الحاجة قال: “نعم لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول أو نستنجى بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجى باليمين، أو أن نستنجى برجيع أو عظم”(69) فالنبي صلى الله عليه وسلم بيّن كل الدين إما بقوله، وإما بفعله، وإما بإقراره ابتداء أو جواباً عن سؤال، وأعظم ما بيّن عليه الصلاة والسلام التوحيد .

وبين كل ما أمر به فهو خير للأمة في معادها ومعاشها، وكل ما نهى عنه فهو شر للأمة في معاشها ومعادها، وما يجهله بعض الناس ويدعيه من ضيق في الأمر والنهي فإنما ذلك لخلل البصيرة وقلة الصبر وضعف الدين، وإلا فإن القاعدة العامة أن الله لم يجعل علينا في الدين من حرج وأن الدين كله يسر وسهولة قال الله تعالى: ) يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) (البقرة: من الآية185) ، وقال تعالى : ) وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)(الحج: من الآية78) وقال تعالى : ) مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ )(المائدة: من الآية6) فالحمد لله على تمام نعمته وإكمال دينه.

والدليل على موته صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: } )إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) (الزمر:30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) (الزمر:30 – 31) والناس إذا ماتوا يبعثون (2) ، والدليل قوله تعالى : مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ (3) وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ (4) وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) (5) {سورة طه، الآية: 55} ، وقوله تعالى:} وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً* )ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً) (1) (نوح:17 – 18) وبعد البعث محاسبون ومجزيون بأعمالهم ، والدليل قوله تعالى : ) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) (2) {سورة النجم، الآية: 31} . . . .

————————————————–

(1) ففي هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم ومن أرسل إليهم ميتون وأنهم سيختصمون عند الله يوم القيامة فيحكم بينهم بالحق ولن يجعل الله لكافرين على المؤمنين سبيلاً.

(2) بيّن رحمه تعالى في هذه الجملة أن الناس إذا ماتوا يبعثون ، يبعثهم الله عز وجل أحياء بعد موتهم للجزاء ، وهذا هو النتيجة من إرسال الرسل أن يعمل الإنسان لهذا اليوم يوم البعث والنشور، اليوم الذي ذكر الله سبحانه وتعالى من أحواله وأهواله ما يجعل القلب ينيب إلى الله عز وجل ويخشى هذا اليوم قال الله تعالى: )فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً * السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً) (المزمل:17 – 18).

وفي هذه الجملة إشارة إلى الإيمان بالبعث واستدل الشيخ له بآيتين.

(3) أي من الأرض خلقناكم حين خلق آدم عليه الصلاة والسلام من تراب.

(4) أي بالدفن بعد الموت.

(5) أي بالبعث يوم القيامة.

———————————-

(1) هذه الآية موافقة تماماً لقوله تعالى: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) والآيات في هذا المعنى كثيرة جداً وقد أبدى الله عز وجل وأعاد في إثبات المعاد حتى يؤمن الناس بذلك ويزدادوا إيماناً ويعملوا لهذا اليوم العظيم الذي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من العاملين له ومن السعداء فيه.

(2) يعين أن الناس بعد البعث يجازون ويحاسبون على أعمالهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر قال الله تبارك وتعالى:(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) (الزلزلة:7 – 8) وقال تعالى: ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء:47) ، وقال جل وعلا: ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (الأنعام:160) . فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة فضلاً من الله عز وجل وامتناناً منه سبحانه وتعالى ، فهو جلّ وعلا قد تفضل بالعمل الصالح ، ثم تفضل مرة أخرى بالجزاء عليه هذا الجزاء الواسع الكثير ، أما

ومن كذب بالبعث كفر ، والدليل قوله تعالى : )زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)(1) {سورة التغابن ، الآية: 7} ، . . . .

————————————————-

العمل السيء فإن السيئة بمثلها لا يجازى الإنسان بأكثر منها قال تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (الأنعام:160) وهذا من كمال فضل الله وإحسانه.

ثم أستدل الشيخ لذلك بقوله تعالى: ) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا)(النجم: من الآية31) ولم يقل بالسوآي كما قال : ( وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى).

(1) من كذب بالبعث فهو كافر لقوله تعالى: (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ * وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) (الأنعام:30) ، وقال تعالى: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) (المطففين:10 – 17) ، وقال تعالى: (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً) (الفرقان:11) وقال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (العنكبوت:23) واستدل الشيخ رحمه الله تعالى بقوله تعالى: } زعم الذين كفروا{ الآية.

وأما إقناع هؤلاء المنكرين فبما يأتي:

أولاً : أن أمر البعث تواتر به النقل عن الأنبياء والمرسلين في الكتب الإلهية ، والشرائع السماوية ، وتلقته أممهم بالقبول، فيكف تنكرونه وأنتم تصدقون بما ينقل إليكم عن فيلسوف أو صاحب مبدأ أو فكرة، وإن لم يبلغ ما بلغه الخبر عن البعث لا في وسيلة النقل ولا في شهادة الواقع ؟

ثانياً : أن أمر البعث قد شهد العقل بإمكانه، وذلك عن وجوه:

1- كل أحد لا ينكر أن يكون مخلوقاً بعد العدم، وأنه حادث بعد أن لم يكن، فالذي خلقه وأحدثه بعد أن لم يكن قادر على إعادته بالأولى، كما قال الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ )(الروم: من الآية27) وقال تعالى: ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ)(الأنبياء: من الآية104)

2- كل أحد لا ينكر عظمة خلق السموات والأرض لكبرهما وبديع صنعتهما ، فالذي خلقهما قادر على خلق الناس وإعادتهم بالأولى قال الله تعالى : )لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ)(غافر: من الآية57) وقال تعالى : )أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الأحقاف:33) ، وقال تعالى: )أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يّـس: 81- 82)

3- كل ذي بصر يشاهد الأرض مجدبة ميتة النبات، فإذا نزل المطر عليها أخصبت وحيي نباتها بعد الموت ، والقادر على إحياء الأرض بعد موتها قادر على إحياء الموتى وبعثهم ، قال الله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (فصلت:39)

ثالثاً : أن أمر البعث قد شهد الحس والواقع بإمكانه فيما أخبرنا الله تعالى به من وقائع احياء الموتى ، وقد ذكر الله تعالى من ذلك في سورة البقرة خمس حوادث منها، قوله: )أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة:259)

رابعاً: أن الحكمة تقتضي البعث بعد الموت لتجازى كل نفس بما كسبت، ولولا ذلك لكان خلق الناس عبثاً لا قيمة له، ولا حكمة منه، ولم يكن بين الإنسان وبين البهائم فرق في هذه الحياة. قال الله تعالى: )أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ* فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) (المؤمنون:115- 116) ، وقال الله تعالى: )إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى) (طـه:15) ، وقال تعالى : )وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ* بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ* إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (النحل:38-40) وقال تعالى : (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (التغابن:7) .

وأرسل الله جميع الرسل مبشرين ومنذرين والدليل قوله تعالى )رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) (1){سورة النساء، الآية: 165} ، . . . . . . . .

————————————————-

فإذا بينت هذه البراهين لمنكري البعث وأصروا على إنكارهم ، فهم مكابرون معاندون ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .

(1)بين المؤلف رحمه الله تعالى أن الله أرسل جميع الرسل مبشرين ومنذرين كما قال تعالى: } رسلاً مبشرين ومنذرين{ يبشرون من أطاعهم بالجنة وينذرون من خالفهم بالنار.

وإرسال الرسل له حكم عظيمة من أهمها بل هو أهمها أن تقوم الحجة على الناس حتى لا يكون لهم على الله حجة بعد إرسال الرسل كما قال تعالى: ( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ).

ومنها أنه من تمام نعمة الله على عباده فإن العقل البشري مهما كان لا يمكنه أن يدرك تفاصيل ما يجب لله تعالى من الحقوق الخاصة به، ولا يمكنه أن يطلع على ما لله تعالى من الصفات الكاملة ، ولا يمكن أن يطلع على ماله من الأسماء الحسنى ولهذا أرسل الله الرسل عليهم الصلاة والسلام

وأولهم نوح عليه السلام ، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم والدليل على أن أولهم نوح عليه السلام قوله تعالى: ( إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) (1) (النساء: من الآية163).

————————————————–

مبشرين ومنذرين ، وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه.

وأعظم ما دعا إليه الرسل من أولهم نوح عليه الصلاة والسلام إلى آخرهم محمد صلى الله عليه وسلم التوحيد كما قال الله تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) (النحل: من الآية36) وقال عز وجل : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء:25) .

(1) بين شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله أن أول الرسل نوح عليه الصلاة والسلام واستدل لذلك بقوله تعالى: ( إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) {سورة النساء، الآية: 163} وثبت في الصحيح من حديث الشفاعة: ” إن الناس يأتون إلى نوح فيقولون له أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض” (70) فلا رسول قبل نوح وبهذا نعلم خطأ المؤرخين الذين قالوا إن ادريس عليه الصلاة والسلام قبل نوح بل الذي يظهر أن إدريس من أنبياء بني إسرائيل.

وآخر الأنبياء وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى } مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) (الأحزاب:40) فلا نبي بعده ومن ادعى النبوة بعده فهو كاذب كافر مرتد عن الإسلام.

شارك.

عن الكاتب

اترك ردًا