شرح ثلاثة الأصول : الأصل الثالث : معرفة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم (20)

0

وكل أمة بعث الله إليها رسولاً (1) من نوح إلى محمد يأمرهم بعادة الله وحده ، وينهاهم عن عبادة الطاغوت ، والدليل قوله تعالى : )وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) (2) (النحل: من الآية36) .

وافترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت والإيمان بالله. قال ابن القيم رحمه الله تعالى-الطاغوت: ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع ، أو مطاع (3) . . . . . . .

————————————————–

(1) أي أن الله بعث في كل أمة رسولاً يدعوهم إلى عبادة الله وحده وينهاهم عن الشرك ودليل ذلك قول الله تعالى: ( وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ)(فاطر: من الآية24) وقال :

(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) (النحل: من الآية36) .

(2) هذا هو معنى لا إله إلا الله.

(3) أراد شيخ الإسلام رحمه الله بهذا أن التوحيد لايتم إلا بعبادة الله وحده لا شريك له واجتناب الطاغوت.

وقد فرض الله ذلك على عباده ، والطاغوت مشتق من الطغيان ، والطغيان مجاوزة الحد ومنه قوله تعالى: (إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) (الحاقة:11)

يعني لما زاد الماء عن الحد المعتاد حملناكم في الجارية يعني السفينة. واصطلاحاً أحسن ما قيل في تعريفه ما ذكره ابن القيم رحمه الله أنه أي الطاغوت-: “كل ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع ، أو مطاع” . ومراده بالمعبود والمتبوع والمطاع غير الصالحين ، أما الصالحون فليسوا طواغيت وإن عبدوا أو اتبعوا أو أطيعوا فالأصنام التي تعبد من دون الله طواغيت ، وعلماء السوء الذين يدعون إلى الضلال والكفر ، أو يدعون إلى البدع، أو إلى تحليل ما حرم الله ، أو تحريم ما أحل الله طواغيت ، والذين يزينون لولاة الأمر الخروج عن شريعة الإسلام بنظم يستوردونها مخالفة لنظام الدين الإسلامي طواغيت ، لأن هؤلاء تجاوزوا حدهم ، فإن حد العالم أن يكون متبعاً لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم لأن العلماء حقيقة ورثة الأنبياء، يرثونهم في أمتهم علماً وعملاً ، وأخلاقاً ، ودعوة وتعليماً ، فإذا تجاوزوا هذا الحد وصاروا يزينون للحكام الخروج عن شريعة الإسلام بمثل هذه النظم فهم طواغيت لأنهم تجاوزوا ما كان يجب عليهم أن يكونوا عليه من متابعة الشريعة.

وأما قوله رحمه الله “أو مطاع” فيريد به الأمراء الذين يطاعون شرعاً أو قدراً ، فالأمراء يطاعون شرعاً إذا أمروا بما لا يخالف أمر الله ورسوله وفي هذه الحال لا يصدق عليهم أنهم طواغيت ، والواجب لهم على الرعية السمع والطاعة ، وطاعتهم لولاة الأمر في هذا الحال بهذا القيد طاعة لله-عز وجل ولهذا ينبغي أن نلاحظ حين ننفذ ما أمر به ولي الأمر مما تجب طاعته فيه أننا في ذلك نتعبد لله تعالى ونتقرب إليه بطاعته ، حتى يكون تنفيذنا لهذا الأمر قربة إلى الله عز وجل وإنما ينبغي لنا أن نلاحظ ذلك لأن الله تعالى يقول : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ )(النساء: من الآية59).

وأما طاعة الأمراء قدراً فإن الأمراء إذا كانوا أقوياء في سلطتهم فإن الناس يطيعونهم بقوة السلطان وإن لم يكن بوازع الإيمان ، لأن طاعة ولي الأمر تكون بوازع الإيمان وهذه هي الطاعة النافعة، النافعة لولاة الأمر، والنافعة للناس أيضاً، وقد تكون الطاعة بوازع السلطان بحيث يكون قوياً يخشى الناس منه ويهابونه لأنه ينكل بمن خالف أمره.

ولهذا نقول إن الناس مع حكامهم في هذه المسألة لهم أحوال:

الحال الأولى: أن يقوى الوازع الإيماني والرادع السلطاني وهذه أكمل الأحوال وأعلاها.

الحال الثانية: أن يضعف الوازع الإيماني والرادع السلطاني وهذه أدنى الأحوال وأخطرها على المجتمع، على حكامه ومحكوميه لأنه إذا ضعف الوازع الإيماني والرادع السلطاني حصلت الفوضى الفكرية والخلقية والعملية.

الحال الثالثة: أن يضعف الوازع الإيماني ويقوى الرادع السلطاني وهذه مرتبة وسطى لأنه إذا قوى الرادع السلطاني صار أصلح للأمة في المظهر فإذا اختفت قوة السلطان فلا تسأل عن حال الأمة وسوء عملها .

الحال الرابعة: أن يقوى الوازع الإيماني ويضعف الرادع السلطاني فيكون المظهر أدنى منه في الحال الثالثة لكنه فيما بين الإنسان وربه أكمل وأعلى .

والطواغيت (1) كثيرة ورؤسهم (2) خمسة إبليس(3) لعنه الله، ومن عبد وهو راض (4) ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه (5) ، ومن ادعى شيئاً من علم الغيب(6) . . . . . . . . . . . .

————————————————–

(1) جمع طاغوت وسبق تفسيره.

(2) أي زعمائهم ومقلدوهم خمسة.

(3) إبليس هو الشيطان الرجيم اللعين الذي قال الله له: (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) (صّ:78) . وكان إبليس مع الملائكة في صحبتهم يعمل بعملهم ، ولما أمر بالسجود لآدم ظهر ما فيه من الخبث والإباء والاستكبار فأبى واستكبر وكان من الكافرين فطرد من رحمة الله عز وجل قال الله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (البقرة:34) .

(4) أي عبد من دون الله وهو راض أن يعبد من دون الله فإنه من رؤوس الطواغيت والعياذ بالله وسواء عبد في حياته أو بعد مماته إذا مات وهو راض بذلك.

(5) أي من دعا الناس إلى عبادة نفسه وإن لم يعبدوه فإنه من رؤوس الطواغيت سواء أجيب لما دعا إليه أم لم يجيب.

(6) الغيب ما غاب عن الإنسان وهو نوعان:

واقع ، ومستقبل ، فغيب الواقع نسبي يكون لشخص معلوماً ولآخر مجهولاً ، وغيب المستقبل حقيقي لا يكون معلوماً لأحد إلا الله وحده أو

ومن حكم بغير ما أنزل الله (1). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

————————————————-

من أطلعه عليه من الرسل فمن أدى علمه فهو كافر لأنه مكذب لله عز وجل ولرسوله ، قال الله تعالى : (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) (النمل:65) ، وإذا كان الله عز وجل يأمر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ، أن يعلن للملأ أنه لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ، فإن من ادعى علم الغيب فقد كذب الله عز وجل ورسوله في هذا الخبر.

ونقول لهؤلاء كيف يمكن أن تعلموا الغيب والنبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب ؟‍هل أنتم أشرف أم الرسول صلى الله عليه وسلم؟ فإن قالوا: نحن أشرف من الرسول كفروا بهذا القول هو أشرف فنقول لماذا يحجب عنه الغيب وأنتم تعلمونه؟ وقد قال الله عز وجل عن نفسه: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً) (الجـن:26-27) وهذه آية ثانية تدل على كفر من ادعى علم الغيب ، وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلن للملأ بقوله : (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ) (الأنعام:50) .

(1) الحكم بما أنزل الله تعالى من توحيد الربوبية لأنه تنفيذ لحكم الله الذي هو مقتضى ربوبيته، وكمال ملكه وتصرفه ، ولهذا سمى الله تعالى المتبوعين في غير ما أنزل الله تعالى أربابا لمتبعيهم فقال سبحانه: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)(التوبة: من الآية31)، فسمى الله تعالى المتبوعين أربابا حيث جعلوا مشرعين مع الله تعالى، وسمى المتبعين عباداً حيث إنهم ذلوا لهم وأطاعوهم في مخالفة حكم الله سبحانه وتعالى.

وقد قال عدي بن حاتم لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنهم لم يعبدوهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم “بل إنهم حرموا عليهم الحلال ، فاتبعوهم فتلك عبادتهم إياهم” (71)0 إذا فهمت ذلك فاعلم أن من لم يحكم بما أنزل الله، وأراد أن يكون التحاكم إلى غير الله ورسوله وردت فيه آيات بنفي الإيمان عنه، وآيات بكفره وظلمه، وفسقه.

فأما القسم الأول:

فمثل قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً* فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النساء:60-65)

فوصف الله تعالى هؤلاء المدعين للإيمان وهم منافقون بصفات:

الأولى: أنهم يريدون أن يكون التحاكم إلى الطاغوت، وهو كل ما خالف حكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، لأن ما خالف حكم الله ورسوله فهو طغيان و اعتداء على حكم من له الحكم وإليه يرجع الأمر كله وهو الله، قال الله تعالى: ( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)(الأعراف: من الآية54) الثانية: أنهم إذا دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول صدوا وأعرضوا.

الثالثة: أنهم إذا أصيبوا بمصيبة بما قدمت أيديهم-ومنها أن يعثر على صنيعهم-جاءوا يحلفون أنهم ما أرادوا إلا الإحسان والتوفيق كحال من يرفض اليوم أحكام الإسلام ويحكم بالقوانين المخالفة لها زعماً منه أن ذلك هو الإحسان الموافق لأحوال العصر.

ثم حذر سبحانه هؤلاء المدعين للإيمان المتصفين بتلك الصفات بأنه سبحانه يعلم ما في قلوبهم وما يكنونه من أمور تخالف ما يقولون ، وأمر نبيه أن يعظهم ويقول لهم في أنفسهم قولاً بليغاً ، ثم بين أن الحكمة من إرسال الرسول أن يكون هو المطاع المتبوع لا غيره من الناس مهما قويت أفكارهم واتسعت مداركهم ، ثم أقسم تعالى بربوبيته لرسوله التي هي أخص أنواع الربوبية والتي تتضمن الإشارة إلى صحة رسالته صلى الله عليه وسلم ، أقسم بها قسماً مؤكداً أنه لا يصح الإيمان إلا بثلاثة أمور:

الأول: أن يكون التحاكم في كل نزاع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الثاني: أن تنشرح الصدور بحكمه، ولا يكون في النفوس حرج وضيق منه.

الثالث: أن يحصل التسليم بقبول ما حكم به وتنفيذه بدون توان أو انحراف.

وأما القسم الثاني:

فمثل قوله تعالى : ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)(المائدة: من الآية44)، وقوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(المائدة: من الآية45)، وقوله: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)(المائدة: من الآية47)، وهل هذه الأوصاف الثلاثة تتنزل على موصوف واحد؟ بمعنى أن كل من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق ، لأن الله تعالى وصف الكافرين بالظلم والفسق فقال تعالى: ( وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(البقرة: من الآية254)، وقال تعالى:( إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ)(التوبة: من الآية84). فكل كافر ظالم فاسق، أو هذه الأوصاف تتنزل على موصوفين بحسب الحامل لهم على عدم الحكم بما أنزل الله؟ هذا هو الأقرب عندي والله أعلم.

فنقول:لم يحكم بما أنزل الله استخفافاً به، أو احتقاراً، أو اعتقاداً أن غيره أصلح منه، وأنفع للخلق أو مثله فهو كافر كفراً مخرجاً عن الملة، ومن هؤلاء من يضعون للناس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية لتكون منهاجاً يسير الناس عليه، فإنهم لم يضعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية إلا وهم يعتقدون أنها أصلح وأنفع للخلق، إذ من المعلوم بالضرورة العقلية، والجبلة الفطرية أن الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج يخالفه إلا وهو يعتقد فضل ما عدل إليه ونقص ما عدل عنه.

ومن لم يحكم بما أنزل الله وهو لم يستخف به، ولم يحتقره، ولم يعتقد أن غيره أصلح منه لنفسه أو نحو ذلك، فهذا ظالم وليس بكافر وتختلف مراتب ظلمه بحسب المحكوم به ووسائل الحكم.

ومن لم يحكم بما أنزل الله لا استخفافاً بحكم، الله، ولا احتقاراً، ولا اعتقاداً أن غيره أصلح، وأنفع للخلق أو مثله، وإنما حكم بغيره محاباة للمحكوم له، أو مراعاة لرشوة أو غيرها من عرض الدنيا فهذا فاسق، وليس بكافر وتختلف مراتب فسقه بحسب المحكوم به ووسائل الحكم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية _رحمه الله فيمن اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله أنهم على وجهين:

أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل ويعتقدون تحليل ما حرم، وتحريم ما أحل الله اتباعاً لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركاً.

والدليل(1) قوله تعالى: )لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (2) قد تبين الرشد من الغي فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ )(1) فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا ) (2) (البقرة: من الآية256)وهذا معنى لا إله إلا الله . وفي الحديث(72)“رأس الأمر الإسلام(3) وعموده الصلاة(4) وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله”(5) . . . . . . . والله أعلم ، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم(1)

————————————————-

الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحليل الحرام وتحريم الحلال كذا العبارة المنقولة عنه ثابتاً لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصي فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب.

وهناك فرق بين المسائل التي تعتبر تشريعاً عاماً والمسألة المعينة التي يحكم فيها القاضي بغير ما أنزل الله لأن المسائل التي تعتبر تشريعاً عاماً لا يتأتى فيها التقسيم السابق، وإنما هي من القسم الأول فقط لأن هذا المشرع تشريعاً يخالف الإسلام إنما شرعه لاعتقاده أنه أصلح من الإسلام وأنفع للعباد كما سبقت الإشارة إليه.

وهذه المسألة أعني مسألة الحكم بغير ما أنزل الله من المسائل الكبرى التي ابتلي بها حكام هذا الزمان فعلى المرء أن لا يتسرع في الحكم عليهم بما لا يستحقونه حتى يتبين له الحق لأن المسألة خطيرة نسأل الله تعالى أن يصلح للمسلمين ولاة أمورهم وبطانتهم كما أن على المرء الذي آتاه الله العلم أن يبينه لهؤلاء الحكام لتقوم الحجة عليهم وتتبين المحجة فيهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ، ولا يحقرن نفسه عن بيانه ولا يهابن أحداً فيه فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.

(1)أي على وجوب الحكم بما أنزل الله والكفر بالطاغوت.

(2)لا إكراه على الدين لظهور أدلته وبيانها ووضوحها ولهذا قال بعده:

} قد تبين الرشد من الغي{ فإذا تبين الرشد من الغي فإن كل نفس سليمة

لا بد أن تختار الرشد على الغي.

(1) بدأ الله عز وجل بالكفر بالطاغوت قبل الإيمان بالله لأن من كمال الشيء إزالة الموانع قبل وجود الثوابت ولهذا يقال التخلية قبل التحلية.

(2)أي تمسك بها تمسكاً تاماً والعروة الوثقى هي الإسلام وتأمل كيف قال عز وجل: } فقد استمسك{ ، ولم يقل: (تمسك) لأن الاستمساك أقوى من التمسك فإن الإنسان قد يتمسك ولا يستمسك.

(3) أراد المؤلف رحمه الله تعالى الاستدلال بهذا الحديث على أن لكل شيء رأساً فرأس الأمر الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم الإسلام.

(4) لأنه لا يقوم إلا بها ولهذا كان القول الراجح كفر تارك الصلاة وأنه ليس له الإسلام.

(5)أي أعلاه وأكمله الجهاد في سبيل الله، وذلك لأن الإنسان إذا أصلح نفسه حاول إصلاح غيره بالجهاد في سبيل الله ليقوم الإسلام ولتكون كلمة الله هي العليا، فمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله وصار ذروة السنام لأن به علو الإسلام على غيره.

—————————————–

(1) ختم شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى رسالته هذه برد العلم إلى الله عز وجل والصلاة والسلام على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وبهذا انتهت الأصول الثلاثة وما يتعلق بها فنسأل الله تعالى أن يثيب مؤلفها أحسن ثواب، وأن يجعل لنا نصيباً من أجرها وثوابها، وأن يجمعنا وإياه في دار كرامته، إنه جواد كريم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد

شارك.

عن الكاتب

اترك ردًا