اشفعوا تؤجروا الحلقة الثالثة
اشفعوا تؤجروا
الحلقة الثالثة
فصل
في ثمرات الشفاعة:(ب)
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على عبده ورسوله وآله وصحبه أجمعين. أما بعد:
ومن الثمرات الطيبة والشفاعة بالخير: ـ
1. حب الناس للعبد ودعاؤهم له: عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم: بسط الوجه, وحُسن الخُلق) رواه أبو يعلى والبزار وحسنه الإمام ابن حجر رحمه الله. ومعلوم أن الناس إذا أحبوا أخاً لهم في الله دعوا له في حياته وبعد مماته, ولا يذكرونه إلا بخير, وتلك عاجل بشري المؤمن. وما قصة الجنازتين عنا ببعيد, فعن أنس رضي الله عنه قال: مَروا بجنازة فأثنوا عليها خيراً, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وَجَبَتْ), ثم مَروا بأخرى, فأثنوا عليها شراً, فقال: (وَجَبَتْ), فقال عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ: ما وجبت؟ قال: (هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة, وهذا أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار, أنتم شهداء الله في الأرض) [متفق عليه] واللفظ للبخاري.
وهذه من ثمار الصلاح والتي منها الشفاعة في الخير.
قال الحُطيئة:
من يفعل الخير لا يُعدَم جوازيه * * * لا يذهب العُرف بين الله والناس
وانظر إلى ما وفق الله إليه سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز ـ رحمه الله ـ من محبة الناس له وإجماعهم على ذلك: الموافق منهم له والمخالف ممن لا يحصيهم إلا الله سبحانه وتعالى. تُرى هل كان هذا لعلمه وزهده فقط, لا شك أنه فضل من الله يُؤتيه من يشاء, ومن فضل الله عليه أن جعله أباً للجميع, يرحم ويعطف ويُعين ويشفع للجميع, خاصةً من تكون الشفاعة في حقه قربةً عند الله وعبادةً يُتقرب بها إليه, فأحبه الجميع, لأنه لم يكن لنفسه فقط؛ بل كان للجميع, لا يعيش لنفسه ويومه؛ بل يعيش معهم ولهم, ولأجلهم, يفرح لأفراحهم, ويحزن لأحزانهم, فاتحاً بابه وصدره وأُذنه لهم, يسمع شكواهم, ويُخفف من مصابهم قدر استطاعته, وإن لم يتمكن من معاونتهم بماله شفع لهم بالكتابة للمسؤولين والميسورين, فتقبل شفاعته, ويسهل لهم أمرهم, فلا تكاد ترى مشروعاً إسلامياً أو دعوياً أو إغاثياً, إلا وقد كان له رحمه الله سهمٌ في الشفاعة فيه, فأنعم به من عمل وأكرم به من عامل, فكما كان رحمه الله يُسلم على من عرف ومن لم يعرف, فكذلك كان يشفع لمن عرف ولمن لم يعرف, شريطة أن يكون ممن شُهد له بالخير وزُكي لدى سماحته, فرحمه الله من شيخ, قَلَّ أن ترى أمثاله ـ نحسبه كذلك والله حسيبه, ولا نزكي على الله أحداً ـ.
وما أجمل ما يُنقل(1) عن الإمام الشافعي في ذلك مما ينطبق ويليق بالشيخ ابن باز وأمثاله من أهل العلم والفضل إذ قال رحمه الله:
الناسُ بالنـاسِ ما دام الحــياةُ بـهم * * * والسعد لا شـك تـاراتٌ وهبـَّاتُ
وأفضل الناس ما بين الورى رجلٌ * * * تُقضى على يـده للنـاس حاجاتُ
لا تمنعـنَّ يـد المـعروف عن أحــدٍ * * * مـا دمت مـقتدراً فالسـعـد تاراتُ
واشكر فضائل صُنـع الله إذ جـُعلت * * * إليـك لا لـك عنـد النـاس حاجات
قـد مات قومٌ ومـا مـاتت مكارمهم * * * وعـاش قومٌ وهم في الناس أموات
وقد كان من كرمه وجوده ـ يرحمه الله ـ أنه قد يجود على غيره بما في يده ويُؤثِره على نفسه, ويصدق فيه قول الشاعر:
تـراه إذا مـا جئتـه مُتــهللا * * * كأنك تُعطيه الذي أنت سائله
كريمٌ كريمُ الأمهات مُهذبٌ * * * تحلُبُ كفـَّاه الـندى وأناملـُه
هو البحر من أيِّ النواحي أتيته * * * فلُجَّتُه المعروف والجود ساحله
جوادٌ إذا ما جئت للعُرْف طالباً * * * حباك بمـا تحـوي علـيه أناملُـه
ولو لم يكن في كفِّه غير رُوحِه * * * لجـاد بـها فليـتـق الله سـائلـه
ومما يحسن أن يذكر في هذا الباب عن الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله ما سطره صاحب الفضيلة العلامة الشيخ عبدالمحسن العباد البدر في ذكره لمناقب الشيخ حيث قال: (كان رحمه الله نافعاً للناس في علمه وفي نصحه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر والدعوة إلى الخير ومساعدته الناس بماله وبجاهه كل ذلك من أوجه عموم نفعه إلى أن قال: . . . ولم يكتف رحمه الله في بذله النفع للناس وحرصه على مساعدتهم فكتب كتاباً لأحد المشايخ الكبار وذلك في اليوم الثامن من الشهر الثالث من عام ثمانية عشر وأربعمائة وألف, قال فيه: يسرُّني أن أخبركم بأنه منذ زمنٍ طويلٍ وأنا قائمٌ بالعمل على مساعدة كثير من المحتاجين في داخل المملكة وخارجها, وتعمير المساجد في داخل المملكة وخارجها، وتعيين الدعاة في خارج المملكة وذلك على نفقة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده وعدد من الأمراء وأصحاب الخير التجّار, ثم قال بعد ذلك: والدوام لله, (( كُلّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ )) [ آل عمران :185 ، والأنبياء : 35 ، والعنكبوت : 57 ] فإذا حدث بي حادث الموت أرجو أن تتولوا هذه الأعمال , وأن تحتسبوا الأجر عند الله عز وجل)(2) أ.هـ .
جعلنا الله من المتنافسين في الخيرات والتسابق للطاعات وغفر لشيخنا وجميع علماء المسلمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين0
الرياض 11333 ص . ب 340025
naayf35hotmail.com
أو
nayef@nayefbinmamdooh.com
(1) أقول يُنقل على غير صيغة الجزم بأن الشافعي ـ رحمه الله ـ قاله إذ إن بعض علمائنا ـ يحفظهم الله ـ يُضعف نسبة ديوان الشافعي المنسوب إلى الإمام الشافعي ـ يرحمه الله. والله أعلم..
(2) من كتاب: الشيخ عبدالعزيز بن باز ـ رحمه الله ـ نموذج من الرعيل الأول. تأليف: الشيخ عبدالمحسن العباد البدر.