الرقية الشرعية
أحكام وضوابط
2008-06-30
الشيخ / محمد الذيفاني
الحمد لله فارج الهم وكاشف الغم و منفس الكرب ومجيب دعوة المضطر رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي بعثه ربه رحمةً للعالمين وأنزل الكتاب المبين ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين .
أما بعد: قال الله تعالى: [ وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ] (الإسراء: 82). و [ من ] هنا لبيان الجنس لا للتبعيض أي من جنس القرآن ما هو شفاء الذي يقتضي زوال الداء بإذن الله عز وجل، ويقـول سبحـانه: [ يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور ] (يونس: 57) .
فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية وأدواء الدنيا والآخرة، وما كل أحد يؤهل ولا يوفق للاستشفاء به فإذا أحسن العليل التداوي به ووضعه على دائه بصدق وإيمان وقبول تام واعتقاد جازم واستيفاء شروطه لم يقاومه الداء أبدا، وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء الذي لو نزل على الجبال لصدعها أو على الأرض لقطعها، فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل على دوائه وسيد، قال تعالى: [ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ] (الحشر: 21 ).
قال العلاّمة ابن القيم رحمه الله: «فمن لم يشفه القرآن فلا شفاه الله، ومن لم يكفه فلا كفاه الله» .
فأما أمراض القلوب فهي نوعان: مرض شبه وشك، ومرض شهوة وغنى، وهو سبحانه يذكر أمراض القلوب وأسباب وعلاجها .
وأما أمراض الأبدان فقد أرشد القرآن إلى أصول طبها وذلك أن قواعد طب الأبدان كلها في القرآن العظيم ولو أحسن العبد التداوي بالقرآن لرأى لذلك تأثير عجيب في الشفاء العاجل .
قال الإمام ابن القيم: «لقد مر بي وقت في مكة سقمت فيه، ولا أجد طبيب، ولا دواء، فكنت أعالج نفسي بالفاتحة، فأرى لها تأثير عجيب، آخذ شربة من ماء زمزم وأقرأ عليها مراراً، ثم أشربه فوجدت بذلك البرء التام، ثم صرت اعتمد ذلك عند كثير من الأوجاع فانتفع به غاية الانتفاع فكنت أصف ذلك لمن يشتكي ألماً فكان كثيراً منهم يبرأ سريعاً» .
والدعاء إذا سلم من الموانع من أنفع الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب فهو من أنفع الأدوية وخاصة مع الإلحاح فيه مع إطابة المطعم والمشرب، والدعاء عدو البلاء يدافعه ويعالجه ويمنع نزوله أو يخففه إذا نزل، يقول الله تعالى: [ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ] (البقرة: 186).
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل فعليكم عباد الله بالدعاء» رواه الترمذي والحاكم .
وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يرد القضاء إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر» رواه الترمذي .
ولكن هاهنا أمر ينبغي التفطن له وهو أن الآيات والأذكار والدعوات التي يستشفى بها ويرقى بها هي في نفسها ناجعة شافية ولكن تستدعي قبول وقوة الفاعل وتأثيره فمتى تخلف الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل أو لعدم قبول المنفعل أو لمانع قوي فيه يمنع أن ينجع فيه الدواء فإن العلاج بالرقى يكون بأمرين أمر من جهة المريض وأمر من جهة المعالج فالذي من جهة المريض يكون بقوة نفسه وصدق توجهه إلى الله تعالى واعتقاده الجازم بأن القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين، والتعوذ الصحيح الذي تواطأ عليه القلب واللسان فإن نوع محاربة والمحارب لا يتم له الانتصار من عدوه إلا بأمرين أن يكون السلاح صحيحاً في نفسه جيد، وأن يكون الساعد قوي فمتى تخلف أحدهما لم يغن السلاح ولو كان كثيراً طائل، فكيف إذا عُدم الأمران يكون القلب خراباً من التوحيد والتوكل والتقوى والتوجه ولا سلاح له .
والأمر من جهة المعالج بالقرآن والسنة أن يكون فيه هذان الأمران أيضاً مع علم ودراية وفهم وإداراك وصلاح واستقامة مع الإخلاص والمتابعة.
ولهذا الرقية بالمعوذات وغيرها من الآيات وأسماء لله هو الطب الروحاني إذا كان على لسان الأبرار من الخلق حصل الشفاء بإذن الله .
وقد أجمع العلماء على جواز الرقية عند اجتماع ثلاثة شروط:
أولها: أن تكون بكلام الله تعالى وبأسمائه وصفاته أو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ثانيها: أن تكون باللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره .
ثالثها: أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بقدرة الله تعالى والرقى إنما هي سبب من الأسباب قال تعالى: [ وإذا مرضت فهو يشفين ] الشعراء.
وحتى يتم الشفاء والانتفاع بالقرآن :
1ــ القيام بجميع الواجبات وترك جميع المحرمات والتوبة من جميع السيئات مع الإنابة والرجوع إلى الله .
2 ــ الإكثار من قراءة القرآن بحيث يجعل له ورداً منه كل يوم لا يهمله أبداً .
3 ــ التحصن بالدعوات والأذكار المشروعة ودوام ذكر الله على كل حال .
4 ــ البحث عن الهدى ولزوم التوحيد وصفاء العقيدة .
5 ــ اكتساب العلم النافع فكلما اتسع علملك قل جهلك وانتصرت على عدوك الشيطان .
6 ــ استحضار النية عند قراءة الرقية من القرآن وأن تكون الرقية بنية الاستشفاء وطلب الشفاء وهذا أمر مهم جداً لأن الأعمال بالنيات .
وإن شاء الله يكون لنا ذكر بعض القصص الواقعية التي عاصرتها وحصل لها الشفاء والانتفاع بالقرآن .
اللهم يا من عز وارتفع وذلك كل شيء من دونه وخضع ويا من سيَّر السحاب فهمع وأبصر العين فأدمع وسن الدين فشرع أسألك يا حليم أن تشفي كل مريض وتعافي كل سقيم وتبطل سحر المسحورين وتذهب الحسب عن المحسودين وتنقي أجساد المرضى من الشياطين ومسهم وإيذائهم يا عظيم يا كريم ، والحمد لله رب العالمين .